ابن كثير
357
البداية والنهاية
فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني ، قال فقلت أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الذي هو به ، قال فجئته فقال : " ما فعلت يا ربيعة ؟ " قال فقلت : نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار ، قال " فقال من أمرك بهذا يا ربيعة ؟ " قال فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ، ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة ، وأن لي فيها رزقا سيأتيني ، فقلت أسأل رسول الله لآخرتي . قال : فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال لي " إني فاعل فأعني على نفسك بكثر السجود " وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة ، أنبأنا يزيد بن هارون ، ثنا مبارك بن فضالة ، ثنا أبو عمران الجوني ، عن ربيعة الأسلمي - وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قال فقال لي ذات يوم " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " قال قلت يا رسول الله ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شئ ، وما عندي ما أعطي المرأة . قال فقلت بعد ذلك رسول الله أعلم بما عندي مني يدعوني إلى التزويج ، لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه . قال فقال لي " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " فقلت يا رسول الله ومن يزوجني ؟ ما عندي ما أعطي المرأة . فقال لي انطلق إلى بني فلان فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة ، قال : فأتيتهم ، فقلت إن رسول الله أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة ، قالوا : فلانة ؟ قال : نعم ، قالوا مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله ، فزوجوني فأتيت رسول الله فقلت يا رسول الله أتيتك من خير أهل بيت صدقوني وزوجوني ، فمن أين لي ما أعطي صداقي ؟ فقال رسول الله لبريدة الأسلمي " اجمعوا لربيعة في صداقه في وزن نواة من ذهب " فجمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها ، فأتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله قد قبلوا فمن أين لي ما أولم ؟ قال فقال رسول الله لبريدة " اجمعوا لربيعة في ثمن كبش " قال فجمعوا وقال لي " انطلق إلى عائشة فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير " قال فأتيتها فدفعت إلي ، فانطلقت بالكبش والشعير فقالوا أما الشعير فنحن نكفيك ، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه ، وعملوا الشعير فأصبح والله عندنا خبز ولحم ، ثم إن رسول الله أقطع أبا بكر أرضا له فاختلفنا في عذق ، فقلت هو في أرضي . وقال أبو بكر هو في أرضي ، فتنازعنا فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها ، فندم فأحضرني فقال لي قل لي كما قلت ، قال : فقلت لا والله لا أقول لك كما قلت لي ، قال إذا آتي رسول الله . قال : فأتى رسول الله وتبعته فجاءني قومي يتبعونني فقالوا : هو الذي قال لك ، وهو يأتي رسول الله فيشكو ؟ قال : فالتفت إليهم فقلت تدرون من هذا ، هذا الصديق وذو شيبة المسلمين ، أرجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب ، فيأتي رسول الله فيخبره فيهلك ربيعة . قال : فأتى رسول الله فقال : إني قلت لربيعة كلمة كرهتها ، فقلت له يقول لي مثل ما قلت له فأبى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا ربيعة ومالك وللصديق ؟ " قال : فقلت : يا رسول الله والله لا أقول له كما قال لي ، فقال رسول الله " لا تقل له كما قال لك ، ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر " ( 1 ) .
--> ( 1 ) كان ربيعة من أهل الصفة لم يزل مع النبي صلى الله عليه وآله حتى قبض فخرج من المدينة فنزل في بلاد أسلم على بريد من المدينة وبقي إلى أيام الحرة - أيام يزيد بن معاوية - ومات بالحرة سنة ثلاث وستين في ذي الحجة ( الإصابة - أسد الغابة ) .